موقع القيادة القوميه لحزب البعث العربى الاشتراكى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

محاور النضال الشعبي لتجاوز

الأزمة الوطنية الشاملة

الخرطوم 21 يونيو 1999

إن مجمل التطورات التي تعتمل في  صفوف بعض أطراف المعارضة والسلطة الحاكمة ، في سياق بحث الطرفين المتصل للخروج من أزمتهما . والتي ما يزال حزبنا عند يقينه ، من أن الأزمة الشاملة التي تمر بها بلادنا هي أزمة القوى التقليدية في الحكم والمعارضة . والتي تدفع بطرفيها باتجاه بلورة ما يسمى بالمصالحة الوطنية ، كمشروع يجري تنفيذه ، بعد أن كانت احتمالاً نظرياً وارداً ، من ضمن احتمالات أخرى ، ظل حزبنا طيلة الفترة الماضية يسلط الضوء على قوى دفعها وأطرافها والعقبات التي تقف في طريقها ، مع تقديره من أن القوى السياسية والاجتماعية المحلية المرشحة أكثر من غييرها لدخول المصالحة ، والدوائر الإقليمية والدولية صاحبة المصلحة في تحقيق مثل هذه المصالحة ، ستعمل على تذليل تلك العقبات كما فعلت في مصالحة 1977 إبان الدكتاتورية المايوية ،منبهاً  إلى حقيقة كونها واحداً من الحلول والبدائل الزائفة التي تعمل أطرافها ، وقوى دفعها ، على التأقلم والتعايش مع النظام بإطالة أمده وتوسيع قاعدة مشاركته السياسية . وكمحاولة لقطع الطريق أمام القوى ذات التناقض الجذري مع النظام القائم . إن تلك التطورات ومستهدفاتها تحتم تسليط المزيد من الضوء على الخلفية التاريخية ، السياسية والاجتماعية ، للجذور التصالحية المشتركة لتلك القوى ، والوقوف عند حقيقة قدراتها ، وإمكاناتها ونتائج تجاربها السابقة .

           لقد قام حزبنا ومنذ بدايات نشأته بتحليل واقع وإمكانات واتجاهات مختلف التكوينات السياسية والاجتماعية والعسكرية السودانية ، مثلما دأب على ذلك في مختلف منعطفات النضال الوطني والقومي والمراحل

التي مرت بها ، منطلقاً من منهجه القومي الثوري المتكامل الأبعاد ، ابتداءً من تحليل مارس 1962 وما تلاه حتى الآن .

           فلقد أشارت مجلة الحزب - وعي الجماهير - في يناير 1976 إلى أنه (من الخطأ اعتبار التناقض بين القوى التقليدية وبين قوى اليمين الحديث تناقضاً رئيسياً ، يمكن الاعتماد عليه بمغازلة أحد طرفيه )، معتبرةً أن ( مغازلة النظام لن تؤدي إلا إلى إعطاءه صك براءة وغفران عما ارتكبه في حق الجماهير ، وتضليل وإرباك لنضالها المتصاعد بخطىً واسعة وحثيثة . بينما مغازلة القوى التقليدية ، لن تكون إلا استجابة وخدمة مجانية لتكتيكاتها المستهدفة - وما زالت - الاتفاق مع النظام أو إسقاطه لمصلحتها) .

وخلصت ، وعي الجماهير ، إلى أن اليمين بقسميه - القديم والحديث - هو في المحصلة النهائية التناقض الرئيسي أمام جماهير شعبنا بنفس مستوى العدو الأساس ، لهذه الجماهير ، الصهيونية والعنصرية والإمبريالية العالمية . وجاءت التطورات السياسية اللاحقة مصدقة لما بين يدي هذا التحليل ، حيث انخرط الإخوان المسلمون والصادق المهدي مع نظام نميري ، فيما عرف بالمصالحة الوطنية 77 - 1978 ، بينما رفض حزب البعث العربي الاشتراكي وتصدى بمسئولية لمواجهتها معتبراً إياها محاولة لإنقاذ النظام المايوي من السقوط من خلال تجديد دماءه بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية ، ومن أجل قطع الطريق أمام البديل الوطني الديمقراطي المستقل . ولبلوغ ذلك الهدف لعبت أمريكا وأطرافاً  عربيةً دوراً كبيراً من خلال ممارسة الضغط على كل الأطراف ، من أجل الوصول إلى تلك المصالحة التي اجتمعت تحت سقفها قوى التبعية والارتباط بالأجنبي وطريق التطور الرأسمالي ومعاداة التطور الديمقراطي المستقل .

           بعيد المصالحة وفي مايو 1978 أصدر حزبنا بياناً بعنوان " نحو مخرج ديمقراطي تقدمي لأزمة التطور الوطني " أكد فيه أن الصراع السياسي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي حقيقة موضوعية ، وله أفقه التاريخي الذي يتجه نحوه .. صراع بين الجماهير الواسعة التي تريد حرية وطنها وتقدمه انطلاقاً من تطور حركتها المستقل عن القوى المعادية للثورة الوطنية التقدمية بأفقها الاشتراكي ، وبين فئة اجتماعية محددة تريد احتكار السلطة لمصلحتها الطبقية الضيقة ولمصلحة أسيادها الإمبرياليين ، وهو ما طبع ساحة الصراع السياسي داخل السودان منذ أن نال استقلاله وحتى الآن . وأن ما يجري هذه الأيام هو جزء هام من هذه العملية رغم محاولات التغبيش والتعتيم التي تصاحبه . واعتبر ذلك البيان أن التطورات السياسية  ستؤدي إلى ( إنشاء تحالف معارض صحيح  سيعيد خارطة الصراع السياسي في البلاد إلى صورة الاستقطاب الاستراتيجي بين القوى الرجعية بكافة أطرافها والقوى الوطنية التقدمية ، الأمر الذي يهيئ ظرفاً موضوعياً لتنامي وتجذر حركة الصراع السياسي والاجتماعي ، كما يفرض على القوى الوطنية التقدمية أعباء كبيرة باتجاه توفير الشروط اللازمة لاستنهاض الحركة الجماهيرية على قاعدة الوضوح السياسي الذي شل غيابه ، خلال الفترة الماضية ، مبادرات الجماهير واندفاعاتها الديمقراطية الثورية ) .

           وفي خطوة عملية على ضوء هذا التقييم ، حدث تحالف هام في مسيرة التطور الوطني ومناهضة الدكتاتورية ، في يوليو 1979 بين حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة الشريف حسين الهندي ( عليه رحمة الله ) . ذلك التحالف مضافاًً له انتفاضة يناير 1982 ، التي انطلقت من إضراب المعلمين وامتدت لفئات أخرى ولعب فيها الحزب دوراً كبيراً  قد فتحا الطريق لتكوين جبهة أوسع تمثلت في (تجمع الشعب السوداني ) ، والذي ضم إضافةً إلى البعث والاتحادي الديمقراطي بقيادة الشريف حسين الهندي ( عليه رحمة الله ) ، أنصار الإمام الهادي المهدي وحزب سانو ، وتضامن أبناء غرب السودان ، وشخصيات وطنية وقومية مستقلة ، حيث خاض تجمع الشعب السوداني نضاله مع جماهير الشعب حتى تكلل بالظفر في انتفاضة مارس / إبريل المجيدة ، ولقد أصدر عدداً من البيانات وأصدر مجلته الدورية ( التجمع ) التي صدر عددها الأول في نوفمبر 1982 والتي وردت فيها الفقرات الثلاث التالية :

       ·          إنجاز الإضراب السياسي طريقنا لإسقاط نظام الجوع والإرهاب .

   ·     التفوا حول فروع تجمع الشعب السوداني ، فهي أداتكم لإسقاط نظام الجوع والإرهاب وبناء سودان الديمقراطية والتقدم الاقتصادي والعدل الاجتماعي .

   ·     يا جماهير العمال والطلاب والموظفين والمهنيين والزراع والجنود والمثقفين الثوريين ، إن تجمعكم ، تجمع الشعب السوداني ، يطالبكم بتصعيد التعبئة ورفع الفعالية من أجل إنجاز الإضراب السياسي العام والشامل ، فهو سلاحنا الحاسم لإسقاط نظام الجوع والإرهاب .

لقد اتخذ الاصطفاف الذي أفرزته المصالحة وقواها ، طابع الاستقطاب الاستراتيجي ، كما أشار إلى ذلك بيان مايو 1978 ، بين البعث والقوى الوطنية  من ناحية ، وبين مراكز البديل الأمريكي الزائف وجهوده العاثرة ما بين 83 - 1985م باستهداف بناء جبهة موازية لتجمع الشعب السوداني من ناحية ثانية ، ومن ثم التآمر ليلة 5/6 إبريل 1985 على الانتفاضة الشعبية وإفراغها من محتواها ، والتمهيد لإعادة القوى التقليدية المدنية بعد أن فشلت ، وللمرة الثانية ، واجهتها العسكرية التي قاومتها وأسقطتها جماهير الشعب بسلاحها المجرب ، الإضراب السياسي والعصيان المدني ، وذلك بعزل حزب البعث عن التوقيع على ميثاق التجمع الوطني ، بالرغم من دوره المشهود ، في مقاومة النظام المايوي والتحضير للانتفاضة الشعبية منذ مارس 1985 من خلال إضراب عمال السكة حديد في عطبرة الذي تزامن مع العمل الذي تم في الخرطوم  ، وبالمحاولات المستمرة لتهميش دوره داخل التجمع في الفترة الانتقالية ( إبريل 85 - إبريل 86 ) ، كما تابعت تفاصيل ذلك جماهير شعبنا ، التي أدركت بخبرتها وتجاربها أن التناقض بين القوى التقليدية والأنظمة الدكتاتورية لم يكن - في يوم من الأيام - تناقضاً أساسياً وجوهرياً ، بل يمثلان دائماً وعلى التعاقب أو بالتصالح نفس القوى الاجتماعية المتحكمة في المجتمع منذ فجر الاستقلال .

لقد كانت المحاور الأساسية للصراع السياسي والاجتماعي خلال الديمقراطية الثالثة تتركز بين قوى الانتفاضة وفي قلبها حزب البعث العربي الاشتراكي وبين قوى الردة من بقايا مايو ، صراعاً بين من يريدون ترسيخ الديمقراطية وتطويرها وتوطينها وربطها بالإنجاز لصالح الجماهير الكادحة والرفض الحقيقي للتبعية السياسية والاقتصادية  ومعالجة الأزمة الاقتصادية وتوفير شروط التنمية الشاملة والمتوازنة والمستقلة ، وإشاعة الحريات العامة ونبذ العنف في العمل السياسي وتصفية آثار مايو ومرتكزاتها وسياساتها وعقليتها وبقاياها ، ومن أجل ترسيخ الوحدة الوطنية والمحافظة على استقلال السودان وسيادته الوطنية وحرمة ترابه ، الحريصين على تضامنه الوثيق مع القوى الحرة في الوطن العربي ومساندته للنضال الإفريقي والحريصين على  أن تكون سياسة السودان الخارجية متحررة ومستقلة ومتوازنة وبين قوى الردة من بقايا مايو وامتداداتها داخل القوى التقليدية . لقد كان ذلك الصراع معقداً ومتشابكاً ، أدى تلكؤ الحكومات المنتخبة في تصفية آثار مايو ثم مهادنتها وأخيراً التخلي الكامل عن أهداف الانتفاضة بإشراك بقايا مايو في الحكم إلى تحول ميزان القوى لصالح قوى الردة من بقايا مايو .ولقد اعتبر حزبنا  إشراك بقايا مايو في الحكم إيذاناً بتصفية الانتفاضة نفسها كما جاء في بيانه الصادر في مايو 1987 ، والذي أعلن فيه أنه سيقاوم ذلك بكل الوسائل الديمقراطية وبنفس صدق وعنفوان نضال البعثيين ضد نظام مايو المباد

            وعندما أعلن عما عرف بحكومة الوفاق الوطني عام 1988 لإشراك بقايا مايو في الحكم ( الجبهة القومية الإسلامية ) ، مرة ثانية ، عقد الحزب مؤتمراً صحفياً في 4/5/1988 جاء فيه : ( إن ما أعلن وما يسعون لإكماله ليس بأي حالٍ من الأحوال وفاقاً وطنياً أو قومياً ، إنه تحالف وائتلاف بين زعامة الجبهة الإسلامية وقيادة حزب الأمة - كعمود فقري - لائتلاف أوسع مع بعض الاتحاديين والساسة الجنوبيين ، إنه التقاء قوى المصالحة 77 - 1978م مع بعض الاتحاديين والجنوبيين ضد تجمع قوى الشعب السوداني وضد قوى الانتفاضة . إنه استئناف لما كان يسمى بالجبهة الوطنية . إنه البديل السلطوي الذي لا تناقض بين برنامجه وبرنامج مايو .. إنه في جانب منه صراع الزعامة على السلطة لا على الأهداف أو المصالح الفئوية أو النهج في جوهره ) .

المصالحة الجزئية كخيار راجح ضمن الظروف الراهنة

            كما سبق لحزبنا أن فصل في تعميم بتاريخ 1/3/1991م ، العوامل التي تدفع باتجاه ترجيح خيار المصالحة بين النظام وبعض الفصائل المؤثرة في حركة المعارضة ، وبالذات القوى التقليدية منها ، وقد تمثلت تلك العوامل في تفاقم الأزمة الوطنية العامة وعجز السلطة عن إيجاد أي مخرج لأزمتها السياسية والاقتصادية وضعف المعارضة بشكل عام ، وتأثيرات الوضع الدولي والعربي العام ، والتي تعمل باتجاه الدفع نحو مصالحة جزئية شبيهة بمصالحة 1977 . وقد جدد الحزب عام 93 تأكيده على تلك المصالحة الجزئية كاحتمالٍ وارد لتطور الوضع السياسي حينئذٍ . وبين التعميم الصادر عن دورة قيادة قطر السودان للحزب في أغسطس من ذلك العام الأسباب المعززة لذلك الاحتمال ورجحانه ، مشيراً إلى أن القوى السياسية والاجتماعية المحلية والدوائر الإقليمية والدولية صاحبة المصلحة في تحقيق مثل هذه المصالحة ، قادرة على تذليل بعض هذه العقبات كما حدث في مصالحة 1977 مع نظام نميري . وفي هذه الحالة فإن زعامتي الأمة والاتحادي الديمقراطي ، هما القوى المرشحة أكثر من غيرها للدخول في هذه المصالحة الجزئية . وذلك لثانوية التناقض بينهما وبين برنامج وتوجهات الفئة الحاكمة وحزب الجبهة . كما أن لهذا الاتجاه أساسه في القناعات الفكرية التي كثيراً ما أفصح عنها الصادق المهدي  ، حول بناء الحركة الغالبة كأساس للحزب الواحد في إطار دولة دينية تعتمد الإمامة والشريعة في الحكم ، وفي مساعيه اللاحقة في الفترة الأخيرة لنظام نميري لتوحيد ذات القوى في الحركة الإسلامية السودانية ، وفي تعبيراته خلال الديمقراطية الثالثة عن عدم وجود تناقض أساس بين حزبه والمعارضة ممثلة في حزب الجبهة وفي جهوده المعقدة في مواجهة المعارضة داخل حزبه وخارجه ، التي أثمرت في إشراك الجبهة فيما سمي بحكومة الوفاق الوطني وفي اختياره الوفاق معها بعد خروج الاتحادي الديمقراطي من حكومة الوفاق إثر رفضهما لاتفاقية السلام في نوفمبر 1988 . وفيما أعلنه عن العلاقة الاستراتيجية بينه وبين الجبهة الإسلامية بعد خروج الأخيرة من السلطة تحت ضغط جماهير الشعب عقب انتفاضة ديسمبر 1988 ، ومذكرة القوات المسلحة في فبراير 1989 واستمراره في مغازلتها وإبداء المرونة إزاء تجاوزاتها الدستورية والقانونية وغض الطرف عن نشاطها المكشوف داخل القوات المسلحة ، ومؤامرتها على النظام الديمقراطي ( ثورة المصاحف ، الجهاد ) ، مما فتح الطريق أمامها لتنفيذ مخططها بتدبير انقلابها في 30 يونيو 1989 . بالرغم مما تعرض له الصادق شخصياً وحزبه من قمع وإذلال ، فقد حافظ على موقفه هذا ، مؤكداً انتفاء أي تناقض أيديولوجي بينه وبين النظام وحزب الجبهة . أما الحزب الاتحادي الديمقراطي فإلى جانب ارتهان زعامته لإرادة قوى العدوان الأطلسي الصهيوني عبر عملاءه في المنطقة ، السعودية ، مصر وبلدان الخليج ، فإن مصالح الفئات الرأسمالية من التجار والطفيليين التي يعتمد عليها تتطلب وجوده قريباً من السلطة ، إن لم يكن طرفاً فيها ، كما أنه لا يستطيع الغياب عن سلطةٍ تشارك فيها زعامة حزب الأمة . وخلص تعميم أغسطس إلى أن مثل هذه المصالحة سوف توسع قاعدة النظام السياسية ، ولكنها سوف تفقده عنصر الوحدة والانسجام ولن تمكنه من تجاوز أزمته العامة ، كما أنها سوف تؤدي إلى انقسامات داخل الحزبين التقليديين وإلى بروز مراكز رفض للمصالحة من بقايا القوى الحية في قيادتيهما وقطاعات واسعة من قاعدتها داخلهما ، والتي ستشكل بدورها حليفاً لقوى المعارضة ذات التناقض الجذري مع النظام .

 

من الاستهانة  بالمواثيق إلى التراجع عن البرنامج الوطني الديمقراطي

تلك هي الخلفية التاريخية والاجتماعية والفكرية المشتركة لقوى المصالحة في النظام وفي المعارضة ، وعوامل الدفع الأساسية نحو ما يسمي بالوفاق أو المصالحة ، والذي بلغ إحدى ذراه في لقاء جنيف الذي جمع بين الدكتور الترابي والسيد الصادق المهدي ، وقد عمدت على تسريعه قوى دفع ذاتية وموضوعية أهمها ما يلي :-

أولاً : فشل النظام في تحقيق برنامجه ودعاواه المتعلقة بإنقاذ البلاد مما أدي لتفاقم أزماته واضطراره تحت وطأة تلك الأزمات ، للتراجع بحثاً عن خيارات بديلة تؤمن له الخروج من عزلته الداخلية والخارجية بإيجاد حالة من الانفتاح والانفراج في علاقاته مع العالم الخارجي ، والقوى السياسية في الداخل تحت مسمي الوفاق .

ثانياً : فشل المعارضة الخارجية ، ممثلة في التجمع من أن تكون بديلاً للنظام بسبب افتقاره للقدرة على التحول إلي قوة مؤثرة في الوضع السياسي بالداخل ، وفي تصدر النضال الشعبي ضد النظام ، وتحوله ، عوضاً عن ذلك ، إلي إطار للمناورات السياسية .

ثالثاً : التحول في إستراتيجيات القوى النافذة إقليميا ودولياً في المنطقة تجاه النظام نحو القبول بالتعايش معه واحتوائه  بدلاً من إسقاطه ، ولعل أبرز معالم هذا التحول ، استئناف الحوار مع أمريكا ، الاتفاق الأمني مع أثيوبيا ، اتفاق الدوحة ، عودة شركة توتال الفرنسية للتنقيب عن البترول في السودان الموقف الأوربي المتساهل من قضايا حقوق الإنسان في السودان ، تسوية قضية مصنع الشفاء ، التعديل في موقف دول مجموعة لومي ، القرار الأمريكي بإلغاء الحظر على واردات الأغذية والدواء للسودان بجانب دول أخري الخ ..

إن طريق قوى التصالح إلي جنيف ، مع ذلك ، لم يكن ممهداً ، ولم يخل من صراعات معقدة داخل النظام وفي صفوف المعارضة معاً . لذلك ، فإنه ، كنهاية مرحلة وبداية أخري ، سيعمل على إعادة ترتيب الأوضاع والتحالفات مجدداً على صعيدي الحكم والمعارضة

لقد  رصد حزبنا ومنذ وقت مبكر ، اتجاهات تطور الأوضاع داخل المعارضة ، نحو التوافق مع النظام ، والتي اتخذت منذ ذلك الحين شكل التجاوزات المنهجية لميثاق التجمع وتقاليد العمل الجبهوي المتفق عليها داخله ،حيث أشار بيان الحزب الصادر في أغسطس عام 1995م تحت عنوان ( البعث والمخرج من الأزمة الوطنية الشاملة ) ، إلي أن بعض الأطراف في الخارج قد ابتدعت ابتداء من عام 1990 أسلوب تغييب قيادة التجمع داخل القطر ، والجهد النضالي المشترك وراحت تتجاوز دورها حتى وصل حد تعديل ميثاق التجمع والخروج عليه دون أي سند يقرر مثل هذا السلوك الانفرادي ، اللهم إلا الرغبة في عقد الصفقات السياسية المشبوهة استناداً لندوة كوهين بأمريكا ، والاستهانة بالمواثيق ، كما درجت عليه تلك الأطراف ، ومن ورائها القوى الدولية ،ونشير هنا إلى خطاب السكرتارية العامة للتجمع الوطني الديمقراطي بتاريخ أكتوبر 1990 ، المحرر إلى  سكرتاريات فروع التجمع ، حيث ورد فيه :

(( أولاً : نرفق لكم خطة عمل التجمع الوطني الديمقراطي المجازة من مجلسه العام ويطلب إليكم التقيد حرفياً بما جاء فيها حول عمل فروع التجمع بالخارج وعدم تجاوزه مهما كانت الظروف .

ثانياً : فيما يتعلق بالاتفاق الذي وقع مع حركة تحرير شعب السودان بالقاهرة فقد كان من الخطأ إعلانه ونشره في الصحف قبل إجازته من قبل قيادة التجمع بالداخل ( السكرتارية ومجلس التجمع ) ونعلمكم أنه لم تتم إجازته بعد وسنفيدكم لاحقاً بتفاصيل ملاحظاتنا حوله ، فهو إلى هذه اللحظة مشروع اتفاق .

ثالثاً : تحصلنا على وثيقة حول الإعداد لمؤتمر يناقش قضايا المؤتمر الدستوري يشرف عليه فرع التجمع بالقاهرة وإشارةً إلى أن ذلك يتم بتكليف من قيادة التجمع بالداخل وهو ما لم يحدث . يطلب إليكم إيقاف هذا العمل فوراً وعدم القيام بمثل هذه المبادرات التي تربك عملنا في الداخل .

رابعاً : فيما يتعلق ببيان بعض أفراد القيادة العامة السابقة للجيش بأنهم جزء من التجمع واتصالهم بحركة تحرير شعب السودان فإننا نفيدكم بأننا لا علم لنا بذلك ولم يحدث أن وقعوا على ميثاق التجمع فيطلب إليكم إبلاغنا بحقيقة ما تم والجهة التي اتصلوا بها .

خامساً : بدأت إذاعة الحركة الشعبية تبث برامجاً لمدة ساعة باسم التجمع الوطني الديمقراطي وهيئة القيادة العامة السابقة فيطلب إليكم إفادتنا بحقيقة هذه البرامج ومن يشرف عليها ومع من تم الاتفاق عليها ، ونكرر أن أي عمل مثل هذا لابد أن يتم بموافقة قيادة التجمع بالداخل وليس بمبادرة من الخارج .)) ، مما يؤكد ما ظل حزبنا يشير إليه من تجاوزات . إن هذه الخطوات الضارة بمجمل قضايا النضال السياسي وتعبئة طاقاته بديلاً عن الجنوح للمناورات الضارة المؤدية إلي الوقوع في شرك الحسابات الخارجية وتوازناتها ، ومن هنا فان دور بعض الأحزاب التقليدية في الخارج لتعديل ميثاق التجمع وضم أجنحة الحركة المسلحة في جنوب السودان ، بالشكل الذي أطلع عليه شعبنا في مارس 1990 ، بالرغم من أنه يمثل خطوة إلي الأمام ، لزج تلك الأجنحة في مسيرة النضال الوطني الموحد ، إلا أنه يمثل خطوات إلي الوراء في كسب رهان المستقبل . لأن انضوائها حسب الكيفية التي تمت بها كان على حساب النظرة المبدئية للتجمع ، بالعمل على الاستقواء بتلك الأجنحة وإلي حين وفي مقابل مسايرتها للدوافع التي تتناقض مع قوى التجمع ومواقفها المعلنة في أكتوبر 89 مما حشر التجمع في زوايا ضيقة ، وقاد أقدام هذه الأطراف المعينة إلي رمال السياسة الدولية المتحركة وغرسها بالفعل في معادلات العديد من الدول المجاورة ، ومن زاوية أخري ، فإن هذا التجاوز تعبير مبطن عن نكوص القوى التقليدية عن برنامج الحد الأدنى الذي تضمنه ميثاق التجمع في أكتوبر 89 والذي أشر الطريق إلي معالجة قضايا الديمقراطية والوحدة والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة وثوابت السياسة الخارجية للسودان والحريات العامة بما فيها حرية العقيدة ..

وأكد البيان في خاتمته على فشل القوى التقليدية وبعض أطراف المعارضة المرتهنة للأجنبي وعجزها الموضوعي عن إيجاد مخرج لأزمة البلاد بعد أن أثبتت تجاربها السابقة منذ الاستقلال فشلها وإفلاسها وعدم مصداقيتها . فقد أثبتت أن تناقضاتها مع الأنظمة الدكتاتورية ذات طبيعة ثانوية جزئية تتعلق بمصالح تلك القوى وعدم إشراكها في السلطة . ومن محصلة هذه التجارب ومن سياقات ممارساتها الراهنة ، فإن أطرافاً هامة منها مرشحة لإسناد وتقوية النظام القائم الآن بالتصالح معه ، سيما إذا استدعت ذلك ضرورات المخطط الإمبريالي الصهيوني الرجعي.

ما بعد لقاء جنيف

في ضوء هذا التحليل السياسي والاجتماعي والتاريخي ، يمكن تفهم طبيعة وأبعاد لقاء جنيف ( مايو 99) ، كخطوة في طريق الوفاق والمصالحة بين القوى التي أشرها ، كما يمكن بالتالي رصد التطورات اللاحقة ،  واستقراء اتجاهات التحالفات والعلاقات بين القوى السياسية على أساس الموقف من الوفاق والمصالحة بضوء ما تتمخض عنه العملية التصالحية التي بدأت من جنيف كطور جديد .

لقد أدي لقاء جنيف إلي تكريس نهج التجاوز على مواثيق وتقاليد العمل الجبهوي والخروج عليها ، وقد شكل السكوت على تلك التجاوزات ، الجسر الذي انتقلت عليه ، القوى الرئيسية في معارضة التجمع ، نقلة استراتيجية ، من هدف تغيير النظام إلي التصالح معه أو اقتسام السلطة مع حزب الجبهة ، من تكتيك المواجهة المرتبط بهدف التغيير واستراتيجيته إلي تكتيك الحوار والمهادنة المرتبط بإستراتيجية المصالحة والوفاق . الأمر الذي يحتم إعادة الفرز في صفوف المعارضة والذي بدأت إرهاصاته بالبيانات والمواقف الصادرة من بعض أطراف التجمع المعارضة أو المتحفظة على لقاء جنيف ونتائجه ، هذه المواقف ، وغيرها من شأنها أن تؤدي إلي تعميق الخلاف داخل التجمع ، وداخل كل فصيل من فصائله على حدة ، كما أن هذه الخلافات والصراعات الجديدة على خلفية ، لقاء واتفاق جنيف ، ستعصف بما تبقي من الوحدة الظاهرية للتجمع وتفسح المجال أمام تحالف وطني صحيح ، على أساس برنامج أكثر جذرية ووفق تقاليد نضالية ديمقراطية ، حقيقية .

وإذا كان من السابق لأوانه إصدار أحكام نهائية على العملية التصالحية التي لم تكتمل بعد ، فصولاً وقوى ، فإن لقاء جنيف ، بصرف النظر عن تفاصيله التي لم يتم الإفصاح عنها وكشفها حتى الآن ، قد وضع الأساس لتوالي طرف هام من المعارضة التجمعية و النظام ، وخروجه من خندق المعارضة ، وأن هذا الأساس ، ممثلاً في اتفاق جنيف ، سيعمل كآلية أو إطار تصالحي لاستقطاب قوى المعارضة الأخرى ، لا سيما التقليدية منها واجتذابها للتصالح مع النظام ، قد أثبت صحة نهج حزب البعث وسلامة تحليله لعجز القوى التقليدية وإفلاسها الذي مهد الطريق أمام انقلاب 30 يونيو المشؤوم . على خلفية تطابق مواقف هذه القوى المعارضة والجبهة الإسلامية  ، في معاداتها للحركة الجماهيرية ، وسعيها لتقييد الحريات والممارسة الديمقراطية ، عبر قانون للأحزاب ، قانون للصحافة ، عقد اجتماعي يكبل الحركة النقابية الخ .. وعلى صعيد موقفها المتطابق مع نهج النظام الاقتصادي القائم على اقتصاد السوق والانفتاح والخصخصة والتبعية للسوق الرأسمالية العالمية ، وفي تغليبها لمصالحها السياسية على حساب الحل السلمي الديمقراطي لقضية جنوب السودان ، وأزمة الحكم ،وكذا على خلفية علاقاتها وارتباطاتها الإقليمية والدولية ..الخ الخ .

            لذلك فإن حزبنا ، وانطلاقاً من مواقفه الواضحة من النظام والتجمع ، والبدائل الزائفة ، ووفقاً لخطه السياسي الذي لخصته وثيقة " البعث والمخرج من الأزمة الوطنية الشاملة " ، أغسطس 1995 ، معني في هذه الظروف والمستجدات المحيطة بها ، على تعزيز الحوار ونهج التحالف الوطني الصحيح مع كل من يلتقي معه في إطار خطه السياسي المعلن ، والعمل لبناء هذا التحالف وسط صفوف قوى المعارضة الحية ، ووسط النقابات وبين أبناء شعبنا الأوفياء ، الذين يبحثون بصدقٍ عن الطريق الصحيح لتجاوز الأزمة الشاملة

من الوفاق العاطفي إلى الوحدة الوطنية الموضوعية

            لقد أدت سياسات النظام خلال العشرة أعوام الماضية والقائمة على التفرقة الدينية والسياسية والقبلية والإقليمية ، إلى أن تصبح قضية إعادة بناء الوحدة الوطنية في صدارة الاهتمامات الوطنية ، وأصبحت قضية الوحدة بجانب الديمقراطية مسألة مفتاحية لبقية قضايا البلاد ومشكلاتها الكبرى .. فالنهج الطائفي واللاديمقراطي للسلطة الحاكمة ، أفرز العديد من الصراعات ذات الصبغة القبلية والاجتماعية والثقافية ، والتي أصبحت تشكل مهدداً جديداً لوحدة البلاد . ولم تعد مشكلة الجنوب ، التي تم تدويلها تحت مظلة النهج المذكور ، وتحولت إلى ثغرة تنفذ منها التأثيرات الأجنبية الإقليمية والدولية ، هي بؤرة الخطر الوحيدة ، وإنما هناك مشكلة غرب السودان ، وما ينطوي عليه شرقه من توترات مماثلة ، وتتضافر المطالب الإقليمية والجهوية المشروعة ، التي تنطلق من المناطق المهمشة ، مع الحركة المطلبية للنقابات ولقوى الحديثة في المدن والمناطق الحضرية ، طلاب ، عمال ، مزارعون ، نازحون ، مفصولون أو عاطلون عن العمل الخ الخ ،في الكشف عن جوهر الأزمة العامة بالبلاد ، بحيث أن الحديث العاطفي عن الوفاق والذي يقصره على التصالح بين الزعامات السياسية في الحكم والمعارضة ، يعجز عن ملامسة جذر المشكلات ومعالجتها ..بهذا المستوى ، فإن المصالحة أو الوفاق لا تعني أكثر من إضافة قوى جديدة للنظام القائم ، وتوسيع قاعدته ، بما يسمح بإطالة عمره ، دون أن يؤدي ذلك إلى معالجة قضايا البلاد التي يمثل النظام نفسه ، مصدراً لها ، وعقبة أمام حلها وتسويتها .

            إن أي حوار أو التقاء أو وفاق أو مصالحة بين النظام والتجمع أو أحد أطرافه أو أي طرف من أطراف المعارضة ، لا يمكن أن يكون إلا على حساب الشعب ومصالحه الأساسية ، ولإطالة عمر النظام بصيغ لا تغير من طبيعته ، واقتسام هذه الأطراف من المعارضة للمصالح والنفوذ في السلطة بالقدر الذي تسمح به الجبهة والنظام ، وهو في نفس الوقت من جهةٍ أخرى ، عامل من عوامل تسريع فرز قوى التحالف الصحيح ، بين القوى الوطنية والديمقراطية الحقة في كلٍ من أحزاب المعارضة وفي صفوف شعب السودان العظيم .

            وتواصلاً في خطوات مشوار المصالحة والوفاق بين القوى التقليدية - في المعارضة وفي النظام - انعقد بأسمرة في الفترة بين السابع والرابع عشر من يونيو / حزيران 1999م اجتماع هيئة قيادة التجمع الوطني ، ولقد أكد هذا الاجتماع في الكلمات التي ألقيت فيه وفي مداولاته وبيانه الختامي الحقائق الآتية :-

1.  إن موضوع الحوار السياسي والمصالحة والوفاق بين القوى التقليدية في المعارضة والنظام ، قد أصبح البند الأول والأساسي في مهام التجمع الوطني في المرحلة المقبلة ، على الرغم مما قيل في هذا الاجتماع - للاستهلاك أو التميز أو استرضاء لكوادر وقواعد هذه الأحزاب - عن جدية التجمع الوطني(( في اقتلاع النظام من جذوره )) .. أو ما قيل عن (( الكفاح المسلح )) و (( الانتفاضة المحمية )) كخيارات لا زالت قائمة لمواجهة النظام .

2.  لقد أكد هذا الاجتماع حقيقة سبق أن توصلنا إليها ، وهي أن المصالحة نتاج أزمة النظام والمعارضة التقليدية على حدٍ سواء . وأن المصالحة قد جاءت في هذا التوقيت بإرادة القوى الخارجية التي تتخذ من قوى الأزمة جسوراً للتدخل في شئون بلادنا الداخلية ، وفي وقتٍ تدعي فيه القوى التقليدية أنها جنحت للمصالحة لدرء مخاطر التدخل الخارجي عن البلاد ، نجدها حريصة على ما يسمى الدور الإقليمي والدولي في إتمام صفقة المصالحة وضمانها إذ تؤكد لنجاح المصالحة على دور هذه القوى (( في المشاركة  والتسيير والمراقبة والشهادة والاستشارة )) .

3.  إن القوى التقليدية التي كانت تهيمن على السلطة في بلادنا في العهد الديمقراطي الثالث ، والتي تنتمي إليها واستقوت بها الجبهة الإسلامية وفرخت تحت راياتها إنقلابها المشؤوم ، هي نفس القوى التي تهيمن على التجمع الوطني حالياً ، لذلك فإن التجمع الوطني كهيكل سياسي قابل للتجميد والانفراط عند أولى خطوات التفاهم بينه أو بين بعض قواه والنظام ، وبالتالي فإن نهج قوى التجمع أو مواثيقه سوف لن يكون له أثر على مجرى الحياة العامة في بلادنا في المستقبل ، نتيجة التهافت على الصفقات السياسية بديلاً عن شعارات المعارضة الجماهيرية .

4.  إن النتيجة الطبيعية لهذه المناورات غير المبدئية هي المزيد من التناقض بين هذه القوى وجماهيرها وانعكاسات هذه التناقضات على مسارها وحتى وحدتها الداخلية والتي سوف لن تنجو منها هذه القوى ومن هم في قيادة السلطة الحاكمة معاً لأنها تدور على محاور بعيدة عن مصالح الشعب  .

5.  إن القوى التقليدية في المعارضة والنظام قد بنت تقدير موقفها حول مستقبل الوفاق على أن جماهير شعبنا لمعاناتها من جراء الأزمة الوطنية الشاملة المتفاقمة ستتلقف أي حل لهذه الأزمة وإن كان عودة إلى الوراء تحت شعار ((عفا الله عما سلف ))  كما حدث في أكتوبر 1964 وعند مصالحة الجبهة الوطنية لنظام نميري 1977 وفي إبريل 1985 .

6.  إن خيار الحوار السياسي والمصالحة والوفاق بين القوى التقليدية المعارضة والحاكمة ، ستفتح الطريق أمام القوى الحية في بلادنا لتصطف في إطار تحالف وطني صحيح قادر على اقتلاع النظام من جذوره لمصلحة بديل وطني وقومي ديمقراطي تقدمي .

محاور أهداف النضال الوطني :

            إن الخروج من الأزمة الوطنية الشاملة ، لا يتحقق بالمناورات والمساومات التي تجري خلف الكواليس على حساب الشعب ، وإنما بانطلاقة جديدة من شأنها بناء موقف وطني وقومي متماسك ومبادرته لصياغة مشروع استراتيجي لبديل وطني وقومي ديمقراطي تقدمي باصطفاف جديد للقوى السياسية والاجتماعية الحية كسبيل وحيد لتجاوز تداعيات الوضع السياسي الراهن في بلادنا ، على أسس مبدئية واستراتيجية ترتقي بالعمل السياسي إلى مستوى الفعل النضالي التاريخي ، ليصبح المعيار لأي إنجاز وطني هو إمكانية تغييره لواقع التجزئة والتخلف والتبعية وابتعاده عن نهج المصالح الذاتية الضيقة والعقلية الإنفرادية والمساومة على حساب مصالح الشعب والوطن .

            إن تعزيز القدرات النضالية والتنظيمية لهذه القوى الحية ضمن هذا الاصطفاف الجديد ومفاهيمه المبدئية هو الكفيل ببلورة وتفعيل آلية النضال الشعبي القومي التقدمي الديمقراطي كخيار تصنعه إرادة الشعب وفعله ، تحت إطار تحالف وطني ديمقراطي جامع وفعال للنضال السلمي داخل قطرنا ينشط ويستنهض ويؤطر منظمات الشعب السياسية والديمقراطية والنقابية والاجتماعية .

            ولابد من التأكيد هنا على أن المخاطر المحدقة بشعبنا التي تشكل الأزمة الوطنية الشاملة ، تقوم على اعتبارات مترابطة لا يمكن معالجة أي منها بمعزل عن الأخرى أو جزء منها ، ذلك أن الترابط قائم قطعاً بين شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية أو التوالي والأزمة الاقتصادية متكونة من أو متمثلة في الخصخصة والفساد المالي والإداري وتشجيع التهريب ، وقرع طبول الحرب الأهلية لأسباب سياسية أو دينية أو قبلية أو طائفية . وتقوية الصلات مع من يستبيح الوطن العربي أو إفريقيا بالقواعد الأجنبية لقوات الأعداء جواً وبراً وبحراً أو ينصاع بأي شكل من الأشكال لقرارات الإمبريالية الأمريكية والصهيونية بفرض الحصار على أقطار أخرى تحت أي غطاء أو ذريعة . لذلك فإن حزبنا يدعو القوى المخلصة للحوار الجاد والعمل المشترك من منابرها الخاصة حول هذا البرنامج الذي يؤشر أهم محاور أهداف النضال الوطني في هذه المرحلة ، ومن خلال هذا الحوار سيتبلور التحالف الصحيح القادر على إنقاذ البلاد من الأزمة الوطنية الشاملة ، والخروج من الدوران في الحلقات المفرغة التي ظلت تجيده القوى التقليدية - سواء منها الدكتاتورية العسكرية أو المدنية - ، تلك  المحاور التي نورد أهمها فيما يلي :-

   1.   النضال من أجل بديل وطني وقومي ديمقراطي تقدمي يستند للشرعية الدستورية ويتأسس على الإقرار بمبدأ التعددية الحزبية والسياسية ومبدأ التداول السلمي للسلطة في إطار الثوابت الوطنية والقومية ويكفل الحريات الأساسية والاستقرار والتطور السياسي وإنماء عناصر الوحدة الوطنية والتقدم وشق دروب السلام والتعايش الوطني والانبعاث الحضاري بما يعزز دور السودان في النضال القومي وفي إفريقيا وفي العالم الإسلامي وفي الساحة الدولية .

   2.   النضال من أجل السلام والوحدة الوطنية والديمقراطية السياسية والاجتماعية والاستقلال والسيادة ، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنضال الحازم ضد الإمبريالية والصهيونية ونهج الهيمنة والتبعية .

   3.   النضال من أجل إلغاء القوانين المقيدة للحريات وفي مقدمتها قانون تنظيم التوالي السياسي ، قانون الأمن الوطني ، المحاكم الاستثنائية وقوانين ولوائح الطوارئ والقوانين المقيدة للعمل النقابي وحرية الصحافة والنشر وكفالة استقلال الخدمة المدنية والدفاع عن استقلال التعليم العالي واستقلال وحيدة ونزاهة القضاء .

   4.   النضال من أجل قضايا العمل النقابي الأساسية ، المتمثلة في حرية النشاط النقابي وديمقراطية الحركة النقابية واستقلاليتها ومواجهة سياسات النظام في حل النقابات وإجازة القوانين في غياب المؤسسات النقابية الشرعية وقياداتها وسياسات التشريد والفصل ومحاكمات النقابيين واعتقالهم وتعذيبهم وتزييف تاريخ الحركة النقابية .

      5.        تأكيد حق كل المفصولين تعسفياً من الخدمة العامة المدنية والعسكرية في نيل حقوقهم والعودة إلى وظائفهم ومواقعهم .

   6.   دعم صمود أسر شهداء المقاومة الشعبية لنظام الجبهة الإسلامية من العسكريين والمدنيين وإحياء ذكراهم والتعبير عن تمسك شعبنا بحق القصاص بالقضاء العادل من المجرمين الذين أزهقوا أرواحهم الطاهرة .

   7.   الاعتراف بواقع التمايز الثقافي والتاريخي والحضاري بين شمال القطر وجنوبه والعمل على حل قضية الجنوب بالانطلاق من هذه الحقيقة لبناء الوحدة وتعزيزها بالسلام وبالعدالة في توزيع الثروة والسلطة وإقرار الحقوق المشروعة كافة .

   8.   النضال من أجل حل سلمي ديمقراطي لمشكلة الجنوب تأميناً لاستقلال الوطن وصوناً للوحدة الوطنية والحيلولة دون تدويل المشكلة وارتهان الإرادة الوطنية للقوى الأجنبية .

   9.   النضال ضد دعاة الانفصال وفضح كافة أغطيته ومظاهره المتمثلة في حق تقرير المصير ، والكونفدرالية ، وفي خيار الحل العسكري والحرب الدينية ، والعمل لرفع راية وحدة السودان كثابت وطني لا يجوز المساس به .

 10.  النضال ضد رهن مقدرات بلادنا الاقتصادية لسياسات صندوق النقد الدولي ، وضد ربطها بعجلة السوق الحر والرأسمالية العالمية وبمصالح الرأسمالية الطفيلية - ولاسيما الجبهوية - التي تتصدر قوى النهب والفساد والاحتكار في بلادنا منسجمة مع الشعارات الاقتصادية للنظام الدولي الاستعماري الجديد في الانفتاح والتحرير ، والتخصيص على نطاق واسع ، ورفع الدعم الحكومي.

 11.  النضال ضد تصفية القطاع العام وتفكيك مرافق الدولة الخدمية ومؤسساتها الإنتاجية لصالح الفئات الطفيلية المستغلة المرتبطة بنظام الجبهة ، ومقاومة سياسات الخصخصة  وتأكيد حق شعبنا في استعادة المنشآت الانتاجية والمرافق الخدمية التي طالها التخصيص إلى نطاق الملكية العامة .

 12.  التمسك بحق الشعب في السيطرة عبر القطاع العام على مصادر الثروة الوطنية الأساسية وعلى التجارة الخارجية والقطاع المصرفي .

 13.  التلاحم مع كفاح الشعب ضد الفقر والجوع والجهل والمرض والنقص المريع في الخدمات االاجتماعية الأساسية سيما في القطاع التقليدي والمناطق الأكثر تخلفاً واعتماد خطط لتحقيق التوازن في التنمية والخدمات بين مناطق القطر المختلفة وترقية وعي الشعب في مواجهة قوى التخلف التي تسعى لإضفاء طابع عنصري على التمايزات الاقتصادية والاجتماعية .

 14.  التلاحم مع كفاح القوى المنتجة في قطاعي الزراعة والصناعة وتدعيم نضالات شعبنا في سبيل تحسين شروط خدمة العاملين بزيادة الأجور والرواتب ودعم السلع الأساسية - كالدواء والسكر والخبز والمحروقات وخدمات الكهرباء والماء والتعليم والصحة - والنضال مع جماهير شعبنا كافة ضد السياسة الضريبية التي ينتهجها النظام والتي توقع العبء الضريبي على كاهل القطاعات الفقيرة من الشعب وتفتح الأبواب أمام تهرب الدخول العالية والطفيلية بخاصة من التزاماتها الضريبية .

 15.  التصدي للهجمة الإمبريالية الصهيونية على الوطن العربي ، وتعزيز صمود الأمة العربية في ساحات المواجهة في فلسطين والعراق وجنوب لبنان .

   16.     تأكيد موقف شعبنا وأمتنا بالنضال المستمر ضد مخططات تصفية القضية الفلسطينية ، وضد كافة الحلول الاستسلامية .

   17.     النضال من أجل نصرة العراق ، والعمل على الرفع الفوري للحصار الظالم المفروض عليه .

   18.     النضال من أجل إجلاءالقواعد والقوات الأجنبية عن الوطن العربي .

 19.  تأكيد الروابط الأزلية والكفاحية لشعب وادي النيل في جنوب الوادي وشماله ودعم أواصر الصلة والتكامل الاقتصادي والتلاحم الشعبي بين السودان ومصر وليبيا وكافة بلدان الوطن العربي.

   20.     الدعوة إلى عودة التضامن العربي ، على أساس تدعيم حقوق أمتنا في الوحدة القومية وتحرير فلسطين والتنمية القومية .

 21.  التعبير عن جوهر العلاقة بين العروبة والإسلام ، لبيان دور الأمة العربية الناهضة في رفعة شأن الشعوب الإسلامية كافة ، ولإزالة ما لحق بدور الإسلام في الحياة العامة من تشويه متعمد  من لدن الجبهة الاسلامية القومية والقوى التي على شاكلتها في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي .

 22.  النضال ضد مخططات الإمبريالية والصهيونية لتعميم الحروب والاقتتال في القارة الإفريقية ، ولا سيما في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات ، والتي تستهدف الهيمنة السياسية على القارة ونهب ثرواتها والتحكم في منابع النيل .

 23.  دعم التضامن والكفاح المشترك بين إفريقيا العربية ، وإفريقيا جنوب الصحراء ، وفضح التآمر الغربي على وحدة النضال العربي الإفريقي .

 24.  التعبير بكل الوسائل وفي كل المنابر عن دور السودان المتلاحم مع كفاح شعوب عدم الإنحياز ، ومع النضال الإنساني لأحرار العالم ضد الإمبريالية والصهيونية والهيمنة والعدوان والتدخل في شئون الشعوب الحرة تحت ذرائع حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات .. إلى آخر الأقنعة التي تستخدمها القوى الاستعمارية .

 

حزب البعث العربي الاشتراكي

قيــــــــــادة قطـــــــــــر الســـــــــــودان

الخرطــــــــــــــوم - يونيو / حزيران 1999م